الدين، العنف و الرقابة الاجتماعية.. أية علاقة؟

الدين وسيلة للسيطرة على الأفراد المؤمنين

أسماء دفري – منسقة برامج لجنة الأقليات

النظام الاجتماعي هو آلية و مؤسسة ليست وليدة اليوم، بل تغيرت مع تطور تاريخ الأفكار و النظم و المعتقدات الإنسانية التي أعطته معنى محددا. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن النظام الاجتماعي هو شعور تم تطويره في كل الثقافات كدليل إنساني لتدبير الأنشطة الاجتماعية، ولقد فكر الفرد في إيجاد أشكال عديدة من النظم و القوانين لحماية مجتمعه من كل الأخطار التي من شأنها أن تهدد استقراره، لذلك ظهر مفهوم الرقابة الاجتماعية الذي يحيل إلى سيطرة معينة على أعضاء المجتمع و إحداث توازن عقلاني ينظم و يقترح تدابير و قوانين لضبط النفس بكل السبل بما فيها القوة الجسدية، و هي أشكال وضعية يجمع عليها كل أفراد المجتمع.

الرقابة الاجتماعية و الأخلاقية من طرف الجماعات الدينية تؤدي إلى خلق نوع من القصور في الفكر النقدي

من بين أبرز آليات الرقابة الاجتماعية، الدين، فالقوة التي عرفها المفهوم الديني منذ زمن بعيد، تتمثل في سعيه إلى ممارسة نوع من السيطرة على الأفراد المؤمنين مستمدا شرعيته من النصوص الدينية و شخوص الأنبياء و القديسين. سوف نقوم في هذا المقال بتحديد العلاقة الكامنة بين المفاهيم المذكورة في العنوان: الدين، العنف و الرقابة الاجتماعية، منطلقين من أطر نظرية أبرزت الرابط بين تلك المفاهيم، خاصة في السياق العربي.

 في الواقع، برزت مظاهر العنف الديني بالخصوص خلال السنوات الأخيرة في بؤر متعددة من العالم، على سبيل المثال أحداث 11 شتنبر التي أدت إلى تغيير مفهوم العنف الديني في العالم، بالاضافة الى عدة دول كان أبطالها أتباع الجماعات الدينية و الطوائف التي في بعض الأحيان تنتهي بانتحار جماعي أو صراعات عديدة. في سنة 1978 قام أعضاء طائفة “معبد الشعب” بالإقدام على انتحار جماعي عبر احتساء سم Kool Aid، ثم أعضاء “أخوية معبد الشمس” 1994، طائفة “باب الجنة” 1997، المواجهة العنيفة بين أعضاء Waco وقوات BATF 1993، تفجير أوكلاهوما سيتي عام 1995من طرف ميليشيات “المسيحيون البيض”  في الولايات المتحدة الأمريكية، الذين كانوا يدعون إلى تفوق العرق الأبيض و العودة إلى تقاليد مسيحية معينة، و في الأخير حادث مشابه في اليابان ارتكب في مترو أنفاق طوكيو من طرف طائفة Aum سنة 1995، الهجوم الارهابي على مقر جريدة شارلي ابدو الساخرة سنة 2015 في باريس حيث دخل مسلحون الى المبنى و قاموا باطلاق النار، وقد تبنى العلمية تنظيم القاعدة. و تطول القائمة لتشمل تقريبا دولا و معتقدات متنوعة.

ان أشكال العنف المبنية على أساس ديني أو عقائدي ساهمت في طرح أسئلة متعددة حول هذه الظاهرة، و عكف العديد من الباحثين إلى تناول الموضوع بالبحث و التحليل و طرح تساؤلات حول ماهية العلاقة الكائنة بين الدين و العنف الممارس من طرف الجماعات الدينية، هل هو صادر عن حقيقة ملموسة أم بروبجندا إعلامية؟ و كيف تمارس تلك الجماعات رقابة اجتماعية على باقي الأشخاص؟ قد لا يكون العنف دائما دمويا، لكنه أيضا رمزيا و معنويا، تمارسه الجماعات الدينية أو الأفراد الأكثر “تدينا” على أقرانهم، و ذلك عبر ما قد يبدو لهم أنه دعوة إلى سلك الطريق “الصائب” و البقاء على الدين الصحيح.

الدين كظاهرة اجتماعية تطور عبر التاريخ و انتقل من طبيعته المؤسساتية إلى مشاعر فردية أو مواقف شخصية في المجتمعات الغربية على وجه الخصوص، فين حين مازال العالم العربي  يعيش سياسيا تحت وطأة نظام يستمد شرعيته من الدين للسيطرة على المجتمع، و ما زال محافظا على طابعه المؤسساتي، و لعل الطابع السياسي الذي اتخذه الدين الإسلامي خاصة، شكل مأزقا و عائقا سبب في تباطؤ حركة التنمية في العالم العربي، ولقد خلف التراث الإسلامي إشكالات عديدة تتعلق بأنظمة الحكم التي ما تزال غير واضحة إلى يومنا هذا، على أساس أن النص الديني مقدس و لا يمكن المساس به أو تأويله ليتوافق مع سياق العصر الحالي. ولعل أبرز الإشكالات المرتبطة بالموضوع الديني، مسألة العنف المبني على أيديولوجيا معينة التي تميز الجماعة الدينية.

و تتميز هذه الجماعات أو الحركات الدينية عموما بأنها مقاومة للنزعة العلمانية من حيث أنها تهتم بالخصوص برغبتها في خلق موقع خاص بها و بالتالي تتقوى بسلطة دينية ذات صبغة سياسية يلتف حولها الأفراد، هذه الجماعات لها قدرة هائلة على استقطاب الأشخاص و قادرة على ممارسة التأثير السياسي و الاجتماعي داخل المجتمعات التي تتواجد فيها، و إعلان العداوة اتجاه أي تيار مقاوم لها إذ يعتبر باطلا أو في أفضل الأحوال كافرا. هذه الصراع و استمرارية العداء اتجاه باقي التيارات يساهم في بناء و تشكيل هويات دينية أصولية و قمعية، و ينتج عنه عنف ديني اتجاه الأخر المختلف.

في كتابه “التخلف الاجتماعي ” لخص الدكتور مصطفى حجازي منهجية تفكير الأشخاص في المجتمعات التي تعتبر متخلفة، واصفا أن ذلك يتلخص في أمرين، الأول اضطراب منهجية التفكير و الثاني قصور الفكر الجدلي و بالتالي حصول صعوبة في السيطرة أو إدراك الواقع في كل تفاصيله، نفس الشيء بالنسبة للأفراد الممارس عليهم رقابة اجتماعية و أخلاقية من طرف الجماعات الدينية و التي تؤدي إلى خلق نوع من القصور في الفكر النقدي خاصة و أن نسبة كبيرة من المجتمعات العربية ترضخ تحت مشاكل الفقر و انعدام العدالة الاجتماعية، و غياب تربية فكرية مستقلة عن المنظومة الدينية، تكون في أغلب الأحوال سطحية و لا تساهم في بناء شخصية متكاملة، ثم الانفصام بين العلم و الأفكار الخرافية، مما يؤدي إلى خلق نوع من التدين الشعبي لا ينتقد و لا يفكر و لا يهتم بإعمال العقل، بل يخضع إلى قوة غيبية لتفسير العالم. ويتجلى القصور في الفكر النقدي من خلال العجز عن تحليل الأمور بسبب قلة أو غياب مستويات أعمق من التفكير العقلاني المبني على وقائع علمية، و الاحتكام بالأمور الغيبية لتفسير الأمور والإيمان بأن الحياة الدنيا أقل أهمية من الحياة الأخرى ‘ما بعد الموت’…و ترتكز العقلانية الدينية على إطلاق الأحكام القطعية و النهائية بشكل مضلل، بحيث يصير تقديس كامل للتراث الديني و بالتالي ممارسة عملية النقد تصبح شبه مستحيلة و تشكل خطورة و نبذ مجتمعي لكل شخص حاول أن ينتقد المؤسسات الدينية.

إن الأسباب التي ذكرناها أعلاه تسهل تواجد و توغل مثل هذه الجماعات و الأفكار، و تتشابك العوامل الفكرية و الاجتماعية و السياسية لتنتج لنا فكرا عنيفا، يسعى بالدرجة الأولى إلى نشر و بث الخوف كتهديد رمزي، وفي حين أن تلك الجماعات لا تملك من الوسائل للاستمرار في حرب شاملة، فهي تلجأ إلى حروب رمزية و تعمل على تدمير الرموز المعادية، حيث يتم استهداف الأماكن العامة كالمساجد و المباني و الكنائس و المراكز الكبرى و غيرها…أو حينما يتبنى النظام السياسي شرعية دينية لضمان استمرار يته و التفات الأفراد حوله بصفته يحمي الدين من كل المخاطر الخارجية…

عندما يقوم الدين بإضفاء ميزة القداسة على نضالاته من أجل الفوز بالسلطة السياسية، فهو يعطي للأطراف الأخرى كالحركات القومية و العرقية لتجد مبررها المشروع لتمارس بدورها العنف ضد الجماعات الأخرى، لأن الهوية الدينية في أخر المطاف تؤدي إلى تعزيز دائرة الكراهية و العرقية داخل المجتمع، فالجماعات المتطرفة توظف الدين لتبرير مظاهر العنف و التمييز سواء بين الجماعات العرقية أو الجماعات المختلفة. و تشكل الأمية الدينية و الفكرية عاملا هاما في تنامي العنف الديني بشقيه الرمزي و الملموس، وخاصة في وضعيات تتسم بالضغط و الأزمات الاقتصادية و المشاكل الاجتماعية.

اترك تعليقا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق