أسماء دفري تسلط الضوء على الاشكال الديني في الحقل السوسيولوجي

الدّين يحيل إلى الارتباط بـ "الخوارق"

أسماء دفري: منسقة برامج لجنة الأقليات الدينية

يحيل مفهوم الدين إلى وصف أنظمة متعددة من المعتقدات و الممارسات التي يعتقد الأفراد أنها مقدسة أو روحية[1]. حاول القادة الدينيون منذ القدم استخدام الحكايات الدينية، الرموز و التقاليد من أجل فهم ماهية الحياة و إعطاء معنى للكون، أي أنه منذ أن بدأ الإنسان بالتأمل حول الأمور التي لم يكن باستطاعته فهمها، كالظواهر الطبيعية على سبيل المثال، قام بخلق مفاهيم خاصة به تعبر عن قوى خارقة، تحميه و تستجيب لصلواته و أمنياته.  أسس التفكير الديني في كل الثقافات و يمارس في كل المجتمعات، هو فعل يصاحب الإنسان منذ أن بدأت المظاهر الثقافية في التشكل.

الممارسات الدينية تتمثل في العديد من المظاهر الاحتفالية و الرمزية، في الأعراس و الطقوس الجنائزية، الفن و الموسيقى، التأمل ثم التعبد، و كل مظاهر الثقافة الإنسانية. وبالرغم من أن المفهوم الديني قد يبدو للبعض كمسألة شخصية و وجدانية، إلا أنه يعد أيضا مؤسسة اجتماعية. يفترض علماء الاجتماع أن الدين يتواجد كنظام يشمل المعتقدات، السلوكيات و القواعد المنبثقة من أساس اجتماعي و قيمي. بالإضافة إلى أن الدين هو ثقافة كونية توجد في كل المجموعات الاجتماعية، و تختلف مظاهر ممارسته من ثقافة لأخرى، و بفعل تعدد و تشابك المفهوم الديني و الممارسات الدينية، سعى السوسيولوجيون إلى دراسة الدين من منطلق نظري يسعى لفهم و تفكيك المفهوم بشكل موضوعي.

في تحليلهم للمفهوم الديني، ميز السوسيولوجيون بين المرجع الديني باعتباره معتقدا أو شعورا، يحيل إلى الارتباط ب”الخوارق”، هذا النوع من التواصل يصل إليه الأفراد عادة في فترة التأمل أو الصلاة، ثم المعتقد الديني كأفكار خاصة لمجموعة تتبنى معتقدا معينا و ترى أنه حقيقي، و في الأخير الطقوس الدينية التي تشمل السلوكيات و الممارسات لجماعة معينة ك “بار ميتزفا” أو “الاعتراف بالخطيئة”.[2]

تاريخ الدين كمفهوم سوسيولوجي

مع بداية ظهور المرحلة الصناعية و العلمانية في أوروبا القرن 19، ثلاث منظرين اجتماعيين قاموا بتحليل العلاقة بين الدين و المجتمع: اميل ديوركايم، ماكس فيبر و كارل ماركس. و يعد هؤلاء أهم المؤسسين للفكر السوسيولوجي الحديث.

اميل ديوركايم يعرف الدين كنظام شامل للمعتقدات و الممارسات المرتبطة بكل ما هو مقدس[3] “1915”. كل مقدس فهو شيء استثنائي، مستوحى من مفهوم “الالهي”. وفقا لدوركايم يحدث الدين حينما يكون هناك فصلا بين الحياة العادية و المقدسة، تحدث مسألة “التقديس” عبر آليات عقلية، تترسب في الوجدان الإنساني، على سبيل المثال الصخرة، إذا ما حولها شخص ما إلي شيء مقدس، فهي تصبح كذلك، فين حين قد يراه البعض شيئا طبيعيا، و بالتالي تحوم حوله معان متعددة. يعتقد دوركايم أن الدين يتركز حول الجماعة: يجتمع الناس حوله و يجمعون عليه عبر آلية المراقبة الاجتماعية،التي تتحول فيما بعد إلى معان معينة للحياة ( المعنى و الهدف). من خلال تطبيق منهج العلوم الطبيعية على دراسات المجتمع. إن مصدر الدين و الأخلاق يأتي من الضمير الجمعي، و الروابط المتماسكة للنظام الاجتماعي تنتج عن القيم المشتركة في المجتمع، و هذه الأخيرة تساهم في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.

الدين ليس مجرد إبداع اجتماعي، بل هو تمثيل لقوة المجتمع: حينما يحتفل الأفراد بالأشياء المقدسة، فهم يحتفلون بقوة مجتمعهم، و وفقا لدوركايم، فحتى لو اختفى الدين التقليدي، فلن يتفكك المجتمع بالضرورة.

في حين أن ديوركايم تصور أن الدين كمصدر للاستقرار الاجتماعي، يعتقد عالم الاجتماع الألماني و الاقتصادي ماكس فيبر أنه كان راسبا للتغير الاجتماعي. قام بدراسة أثار الدين على الأنشطة الاقتصادية و لاحظ أن المجتمعات البروتستانتية كتلك الموجودة في  هولندا، انجلترا، اسكتلندا و ألمانيا، كانت من أكثر المجتمعات الرأسمالية تطورا، و رجال الأعمال الأكثر نجاحا كانوا ينتمون للمذهب البروتستانتي. في كتابه الأكثر شهرة “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية” “1905”، أكد فيبر أن أخلاقيات العمل البروتستانتي أثرت على تطور الرأسمالية. كما لاحظ أن أنواعا معينة من هذا المذهب تدعم مبدأ السعي لتحقيق مكاسب مادية من خلال تحفيز المؤمنين على العمل بجد، و عدم إنفاق أرباحهم على أشياء تافهة. (إن الاستخدام الحديث لأخلاقيات العمل، جاء بالأساس من أخلاقيات فيبر البروتستانتية، بالرغم من أنها فقدت ألان  دلالاتها الدينية).

اعتقد كارل ماركس أن الدين مجرد امتداد لمعاناة الطبقة العاملة (البروليتاريا)، و أنه يساهم في اللا مساواة و يديم الوضع الراهن، من منطلق أن الدين “أفيون الشعوب” 1844.

تؤكد المقاربة الوظيفية أن الدين يخدم العديد من الوظائف في المجتمع، و يعتمد عليه لإثبات وجوده و قيمته و أهميته. من هذا المنظور يخدم الدين أغراضا عديدة، مثل توفير الإجابات للأسئلة الخارقة، و تقديم الراحة الوجدانية، بالإضافة إلى خلق مكان للتفاعل الاجتماعي و السيطرة الاجتماعية.

في تقديمه لإجابات تحير العقل الإنساني، يسعى الدين إلى تحديد العالم و القوى الروحية، بما في ذلك الكائنات الإلهية. على سبيل المثال، يساعد في الإجابة عن أسئلة مثل “من أنشأ العالم؟” أو لماذا نعاني؟… في المقابل وجهت انتقادات للمنظور الوظيفي في تحليله للإشكال الديني، فالبعض يرى أن الدين لا يدعم دائما فكرة الاستقرار: قد يكون سببا لبروز صراع بين الأديان أو داخل نفس الدين. يعتقد التيار العلماني أن الأداء الديني قلت وظائفه في العصر الحالي، و بالتالي يدحض الآراء التي اقترحتها المقاربة الوظيفية.

اهتمت النظريات النقدية بكيفية ترويج العديد من الأديان إلى أن الفرد يجب أن يبقى راضيا عن ظروفه كيفما كانت، لأنها وفقا للمنظور الديني قدرا ألاهيا. و جادلت أيضا أن ديناميكية هذه القوة وظفتها المؤسسات الدينية لقرون لإبقاء الفقراء على حالهم، و تعليمهم أنه لا ينبغي الاهتمام بفقرهم، لأن مكافئتهم الحقيقية (من منظور ديني) ستأتي بعد الموت.

تشير الدراسات النقدية إلى أن أولئك الذين يملكون السلطة الدينية غالبا ما يتوفرون على قوة إملاء الممارسات و الطقوس و المعتقدات على سائر الأفراد، من خلال تفسيرهم الخاص للنصوص الدينية بما يتوافق مع بقاءهم في السلطة و موقع القوة.  و قد اهتم الحقل السوسيولوجي بدراسة  الدين في مختلف مظاهره و العلاقات التفاعلية بين الافراد و الفعل الديني باعتباره شكلا من الأشكال التي صاحبت الإنسان باعتباره كائنا مفكرا و يمتلك ملكة عقلية تحيله دائما إلى الشك و التأمل و الرغبة في معرفة الحقائق بما فيها الأشياء التي لا يستوعبها عقله و تدخل ضمن الما ورائيات أو التفكير في قوة تدبر الكون و الحياة، و تعددت المقاربات و الأطر النظرية التي حللت هذا الإشكال، و لا يوجد مجتمع أو تجمع إنساني يخلو من المعتقدات و الممارسات التي تتجلى في مختلف المظاهر الحياتية، و تختلف حدتها من ثقافة لأخرى. تكمن قوة التحليل السوسيولوجي للمسألة الدينية في اهتمامه بطرق تصور الأفراد اتجاه الدين. تنتشر هذه الآراء و السلوكيات في مجمل مظاهر الحياة، و تتدخل في كل ما يخص الإنسان، من أراء حول السياسة، التوجهات الجنسية، التربية و التعليم و كل الأنساق و النظم الاجتماعية، مما يجعل من الدين قوة ذات حدود كثيرة، و دراسته من منطلق اجتماعي تقدم لنا رؤى حول السلوك الجماعي و طرق التفكير و نوع العقلانية التي ينطلق منها المجتمع.

مراجع

Barkan, S. E., Greenwood, S. F. (2003). Religious attendance and subjective well-being among older Americans: Evidence from the general social survey. Review of Religious Research, 45(2), 116–129.

Durkheim (Emile), “ The Elementary Forms of the Religious Life” 1915

Fasching (Darrell ), Dechant (Dell), « Comparative Religious Ethics : A Narrative Approach to Global Ethics », 2nd Edition 2011, p 212


[1] Fasching (Darrell ), Dechant (Dell), « Comparative Religious Ethics : A Narrative Approach to Global Ethics », 2nd Edition 2011, p 212

[2] Barkan, S. E., Greenwood, S. F. (2003). Religious attendance and subjective well-being among older Americans: Evidence from the general social survey. Review of Religious Research, 45(2), 116–129.

[3] Durkheim (Emile), “ The Elementary Forms of the Religious Life” 1915

مقالات ذات صلة

اترك تعليقا

زر الذهاب إلى الأعلى